الرئيسية > كيانات المحافظة > مديريات > التنظيم والإدارة > البحوث
البحوث
الحكم بعدم الدستورية بين الأثر الكاشف والأثر المباشر 
أثارت مشكلة أثر الحكم الصادرعن المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية نص غير جنائي خلافاً حاداً في الفقه
 

وقد رأينا أن نقسم هذا البحث الى ثلاثة مباحث ، نخصص المبحث الأول منها للمشكلة الفرعية ، وهي مشكلة إعمال الأثر المترتب على صدور الحكم بعدم الدستورية في الطعون المدنية المنظورة أمام محكمة النقض ، وكان الترتيب المنطقي أن نبدأ – أولاً – بالبحث في المشكلة الرئيسية وهي مشكلة أثر الحكم بعدم الدستورية  ، ثم نتطرق بعد ذلك للمشكلة الفرعية ، ولكن لأن هذه المشكلة الفرعية ظلت قائمة كما هي بعد تعديل قانون المحكمة الدستورية العليا ، الأمر الذي يعطي دلالة كبيرة على أن المشكلة الرئيسية وهي الخاصة بأثر الحكم بعدم الدستورية ، لم تكن تكمن في غموض نصوص القانون قبل تعديله ، ولكن في أننا لم  نبذل الجهد الكافي لفهم تلك النصوص قبل القيام بتعديل القانون ، كما أن حل هذه المشكلة الفرعية ربما يسهم في حل المشكلة الرئيسية . 
ثم نخصص المبحث الثاني للمشكلة الأساسية وهي أثر الحكم بعدم الدستورية ، لنجيب على التساؤل الذي يثير الخلاف دائماً : هل للحكم بعدم الدستورية أثر مباشر أو منشئ أم له أثر رجعي أو كاشف ؟ 
ثم نخصص المبحث الثالث للحديث عن تعديل قانون المحكمة الدستورية العليا بالقرار بقانون رقم 168 لسنة 1998 وتعليقنا على حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بدستورية هذا القرار بقانون ورفض الدعوى الدستورية للطعن عليه بعدم الدستورية .
المبحث الأول : إعمال الأثر المترتب على صدور الحكم بعدم الدستورية
في الطعون المدنية المنظورة أمام محكمة النقض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من المشكلات القانونية التي أثارت خلافاً في القضاء مشكلة إعمال الأثر المترتب على صدور حكم بعدم دستورية نص لازم للفصل في الطعون المدنية المنظورة أمام محكمة النقض ، وذلك على التفصيل التالي :
أولاً : الاتجاه القديم للمحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض
ذهب هذا الاتجاه الى أن الأثر المترتب على صدور حكم بعدم دستورية نص لازم للفصل في الطعون المدنية المنظورة أمام محكمة النقض لا ينسحب الى المراكز القانونية التي استقرت بموجب حكم نهائي حائز لقوة الأمر المقضي أو بانقضاء مدة تقادم .
استندت المحكمة الدستورية في هذه المسألة الى ما جاء بالمذكرة الإيضاحية لقانون المحكمة وقررت " أن القانون تناول أثر الحكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة ، فنص على عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم ، وهو نص ورد في بعض القوانين المقارنة ، واستقر الفقه والقضاء على أن مؤداه هو عدم تطبيق النص ليس في المستقبل فحسب ، وإنما بالنسبة الى الوقائع والعلاقات السابقة على صدور الحكم بعدم دستورية النص ، على أن يستثنى من هذا الأثر الرجعي الحقوق والمراكز التي تكون قد استقرت عند صدوره بحكم حاز قوة الأمر المقضي أو بانقضاء مدة تقادم " . (1)
سار قضاء محكمة النقض على ذات نهج  قضاء المحكمة الدستورية العليا ، حيث قضت بأن " .. ويترتب على الحكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم ، إلا أن عدم تطبيق النص وعلى ما ورد بالمذكرة الإيضاحية لقانون المحكمة الدستورية العليا لا ينصرف الى المستقبل فحسب ، وإنما ينسحب على الوقائع والعلاقات السابقة على صدور الحكم بعدم دستورية النص ، على أن يستثنى من هذا الأثر الرجعي الحقوق والمراكز التي تكون قد استقرت عند صدوره بحكم حاز قوة الأمر المقضي أو بانقضاء مدة التقادم " . (2)
 
الاتجاه الحديث لقضاء المحكمة الدستورية العليا وقضاء محكمة النقض
ذهبت المحكمة الدستورية في حكم حديث لها الى قصر الاستثناء من الأثر الرجعي للحكم بعدم الدستورية في حالة واحدة فقط وهي حالة الحقوق والمراكز التي استقرت بحكم قضائي بات ( وليس حكماً نهائياً ) ، وفي ذلك قررت المحكمة الدستورية أنه " وحيث أن قانون المحكمة الدستورية العليا – ضماناً لصون الحرية الشخصية التي كفلها الدستور واعتبرها من الحقوق الطبيعية التي لا يجوز الإخلال بها عدواناً – قد نص في المادة ( 49 ) منه ، على أنه إذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقاً بنص جنائي ، فإن أحكام الإدانة الصادرة استناداًً إليه ، تعتبر كأن لم تكن ، وهو ما يعني سقوطها بكل آثارها ، ولو صار الطعن فيها ممتنعاً لتفارقها قوة الأمر المقضي التي قارنتها .  وتلك هي الرجعية الكاملة التي أثبتها قانون المحكمة الدستورية العليا لأحكامها الصادرة بإبطال النصوص العقابية ، وهي بعد رجعية لا قيد عليها ولا عاصم منها ، بل يكون أثرها جارفاً لكل عائق على خلافها ولو كان حكماً باتاً فإذا كان قضاؤها مبطلاً لنص غير جنائي ، فإن أثره الرجعي يظل جارياً ، ومنسحباً الى الأوضاع والعلائق التي اتصل بها مؤثراً فيها حتى ما كان منها سابقاً على نشره في الجريدة الرسمية ، ما لم تكن الحقوق والمراكز التي ترتبط بها قد استقر أمرها بناء على حكم قضائي توافر فيه شرطان ، أولهما : أن يكون باتاً وذلك باستنفاده لطرق الطعن جميعها ، وثانيهما : أن يكون صادراً قبل قضاء المحكمة الدستورية العليا ، ومحمولاً على النصوص القانونية عينها التي قضى ببطلانها " (3)
حكم الدستورية العليا في القضية رقم 37 لسنة 9 ق " دستورية " بجلسة 19/5/1990 وفي نفس المعنى حكمها الصادر في القضية رقم 16 لسنة 3 ق " دستورية " بجلسة 5/6/1982 ، وحكمها الصادر في القضية رقم 48 لسنة 3 ق " دستورية " بجلسة 11/6/1983 .
 
حكم النقض الصادر في القضية رقم 1348 لسنة 50 ق جلسة 29/4/1984 .
 
حكم النقض الصادر في الطعن رقم 1980 لسنة 52 ق جلسة 31/1/1993 .
حكم النقض في الطعن رقم 368 لسنة 58 ق جلسة 3/12/1993 . 
(3)  حكم المحكمة الدستورية العليا بجلسة 30/11/1996 في القضية رقم (22) لسنة (18) ق " دستورية " .
بعد أن سارت المحكمة الدستورية العليا في هذا الاتجاه الجديد ، اتجهت محكمة النقض أيضاً الى اشتراط أن يكون الحكم القضائي المقيد للأثر الرجعي حكماً باتاً وليس نهائياً . وفي ذلك قررت محكمة النقض " وحيث أن من المقرر –  في قضاء هذه المحكمة – أن لمحكمة النقض من تلقاء نفسها ، كما يجوز للخصوم والنيابة العامة ، إثارة الأسباب المتعلقة بالنظام العام ، ولو لم يسبق التمسك بها أمام محكمة الموضوع أو في صحيفة الطعن متى توافرت عناصر الفصل فيها من الوقائع والأوراق التي سبق عرضها على محكمة الموضوع ، ووردت هذه الأسباب على الجزء المطعون فيه من الحكم وليس على جزء آخر منه أو حكم سابق عليه لا يشمله الطعن ، وكان من المقرر أن مفاد نص المادة ( 29 ) من القانون رقم 48 لسنة 1979 بإصدار قانون المحكمة الدستورية العليا يدل على أن الشرعية الدستورية تقتضي أن تكون النصوص التشريعية الواجبة التطبيق على أي نزاع مطابقة لأحكام الدستور فلا يجوز لأية محكمة أو هيئة اختصها المشرع بالفصل في نزاع معين – أياً كان موقعها من الجهة القضائية التي تنتمي إليها – إعمال نص تشريعي لازم للفصل في النزاع المعروض عليها إذا بدا لها مصادمته للدستور ، ومن باب أولى ، إذا قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستوريته ، فهذا القضاء واجب التطبيق على جميع المنازعات التي تخضع لتطبيق هذا النص القانوني ما دام الحكم بعدم دستوريته قد لحق الدعوى قبل أن يصدر فيها حكم بات ، وهذا الأمر يتعلق بالنظام العام ويتعين على محكمة النقض إعماله من تلقاء نفسها ، كما يجوز إثارته لأول مرة أمامها وذلك باعتبارها من المحاكم التي عنتها المادة ( 29 ) المشار إليها ولا يجوز التحدي في هذا الشأن بأن سلطة محكمة النقض قاصرة على مراقبة صحة تطبيق القانون ، إذ أن مطابقة النص القانوني للقواعد الدستورية هو أيضاً من مسائل القانون ، ويتعين أن تكون الشرعية الدستورية متكاملة حلقاتها ، وأن تكون لأحكام الدستور الصدارة على ما دونها في المرتبة ، إذ لا يسوغ القول بصحة تطبيق محكمة الموضوع لنص قانوني وهو مخالف للدستور سيما إذا كانت المحكمة الدستورية العليا قد قضت بعدم دستوريته والمقرر – وعلى ما جرى به قضاء المحكمة الدستورية العليا – أن مفاد نص المادة ( 49) من قانون هذه المحكمة ، أن الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية لا تنحصر حجيتها في خصوم الدعوى الدستورية ، بل تمتد الى الدولة بكافة أفرعها وتنظيماتها ويتم إعمال أثرها على الناس كافة دون تمييز ، فلا يجوز تطبيق النصوص الدستورية المحكوم بعدم دستوريتها اعتباراً من اليوم التالي لنشر الأحكام الصادرة بشأنها في الجريدة الرسمية ، ولا يعني هذا أن لهذه الأحكام أثراً مباشراً لا تتعداه ، خاصة إذا كان قضاؤها مبطلاً لنص غير جنائي ، بل إن أثره الرجعي يظل جارياً ومنسحباً الى الأوضاع والعلائق التي اتصل بها ، مؤثراً فيها حتى ما كان منها سابقاً على نشره في الجريدة الرسمية ، بافتراض أن النص الباطل منعدم ابتداءً لا انتهاءً ، فلا يكون قابلاً للتطبيق أصلاً منذ أن نشأ معيباً ما لم تكن الحقوق والمراكز التي ترتبط بها قد استقر أمرها بناء على حكم قضائي توافر فيه شرطان : أولهما : أن يكون باتاً ، وذلك باستنفاده لطرق الطعن جميعها ، وثانيهما : أن يكون صادراً قبل قضاء المحكمة الدستورية العليا ومحمولاً على النصوص القانونية عينها التي قضى ببطلانها " . *
موقف الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية بمحكمة النقض
أخذت الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية بالاتجاه الحديث للمحكمة الدستورية العليا وليس الاتجاه القديم ، فقررت " وحيث إن الدائرة المختصة رأت بجلستها المعقودة بتاريخ 10 / 12 / 1998 إحالة الطعن الى الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية عملاً بنص الفقرة الثانية من المادة الرابعة من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 لتضارب الأحكام في شأن إعمال الأثر المترتب على صدور حكم من المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية نص لازم للفصل في الطعون المنظورة أمام محكمة النقض إذ ذهبت بعض الأحكام الى أن هذا الأثر لا ينسحب إلى الحقوق والمراكز القانونية التي ترتبت بموجب حكم نهائي سابق في صدوره على نشر الحكم بعدم الدستورية ، ولو أدرك هذا الحكم الأخير النزاع أمام محكمة النقض ، بينما ذهبت أحكام أخرى الى إعمال أثر ذلك الحكم على الطعون المنظورة أمام محكمة النقض .. وحيث أن النص في المادة ( 49 ) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 ، المعدلة بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 168 لسنة 1998 على أنه :  ( أحكام المحكمة في الدعاوى الدستورية وقراراتها بالتفسير ملزمة لجميع سلطات الدولة والكافة .. ويترتب على الحكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم ، ما لم يحدد الحكم لذلك تاريخاً آخر ، على أن الحكم بعدم دستورية نص ضريبي لا يكون له في جميع الأحوال إلا أثر مباشر ) . يدل على أنه يترتب على صدور الحكم من المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية نص في قانون غير ضريبي أو لائحة ، عدم جواز تطبيقه اعتباراً من اليوم التالي لنشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية ، وهذا الحكم ملزم لجميع سلطات الدولة وللكافة ، ويتعين على المحاكم باختلاف أنواعها ودرجاتها أن تمتنع عن تطبيقه على الوقائع والمراكز القانونية المطروحة عليها ، حتى ولو كانت سابقة على صدور هذا الحكم بعدم الدستورية باعتباره قضاءً كاشفاً عن عيب لحق النص منذ نشأته ، بما ينفي صلاحيته لترتيب أي أثر من تاريخ نفاذ النص ، ولازم ذلك أن الحكم بعدم دستورية نص في القانون من اليوم التالي لنشره لا يجوز تطبيقه ما دام قد أدرك الدعوى أثناء نظر الطعن أمام محكمة النقض ، وهو أمر متعلق بالنظام العام تعمله محكمة النقض من تلقاء نفسها لما كان ذلك ، وكانت بعض أحكام هذه المحكمة قد ذهبت الى عدم تطبيق الحكم بعدم دستورية نص لازم للفصل في النزاع ، إذا صدر بعد صدور الحكم المطعون فيه ، فإنه يتعين العدول عن هذا الرأي والأخذ بالرأي الأول ، وإعمال ذلك الحكم اعتباراً من اليوم التالي لنشره في الجريدة الرسمية على الطعون المنظورة أمام محكمة النقض ".(*)
موقف الفقه من إعمال أثر الحكم بعدم دستورية نص على الطعون المدنية المنظورة أمام محكمة النقض
لم يحدد الفقه موقفه بوضوح من هذه المسـألة ، ولا نكاد نرى أمامنا إلا رأياً واحداً واضحاً ومحدداً في هذه المسألة ، وقد ذهب هذا الرأي الى رفض الاتجاه الحديث للقضاء وتأييد الاتجاه القديم معللاً ذلك بالأسباب الآتية : 
أولاً :  أن المحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض قد ركنتا الى المذكرة الإيضاحية لقانون المحكمة الدستورية في تحديد القيود التي ترد على الأثر الرجعي لحكم المحكمة الدستورية ، فالمذكرة الإيضاحية هي المرجع الأول والأخير في تحديد ما يستثنى من سريان الأثر الرجعي للحكم الصادر بعدم الدستورية لا سيما أن نصوص القانون قد خلت من ذلك ، وإذا كانت المذكرة الإيضاحية قد وصفت الحكم المقيد للأثر الرجعي بأنه الذي يحوز قوة الأمر المقضي ولم تقل الحكم ( البات ) فيجب الالتزام بذلك .
(*) حكم الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية والأحوال الشخصية بمحكمة النقض بجلسة 18/5/1999 – الطعن رقم 777 لسنة 61 " هيئة عامة " .
م
ثانياً : أن الطعن بالنقض نظام لا يسري على جميع الأحكام ، بل هو طعن لم يجزه القانون في الأحكام الانتهائية الحائزة لقوة الأمر المقضي إلا لأسباب بينها بيان حصر في المادتين ( 248 ) و ( 249 ) من قانون المرافعات ، ومن ثم فإن سريان الأثر الرجعي على الحكم القضائي النهائي – المطعون عليه بالنقض – يؤدي فضلاً عن زعزعة الاستقرار الى إهدار مبدأ المساواة بين أصحاب المراكز القانونية المتماثلة ، إذ أن تطلب الحكم البات يجعل صاحب الشأن الذي طعن بالنقض على حكم نهائي صادر من محكمة استئنافية في مركز أسوأ من صاحب الشأن الذي صدر له حكم نهائي من محكمة ابتدائية بهيئة استئنافية ولم يطعن عليه لعدم قابلية الحكم الأخير للطعن بالنقض .
ثالثاً : أن هذا الاتجاه الأخير قد يثير صعوبات عملية شديدة ومعقدة لأنه يؤدي الى إطالة أمد وجود المراكز القانونية في وضع غير مستقر حتى مع وجود الحكم القضائي الحائز لقوة الأمر المقضي الذي تنحسم به المراكز القانونية وتستقر (*).
وما ذهب اليه هذا الرأي في – أولاً – مردود عليه : بأن المذكرة الإيضاحية استندت الى آراء الفقه وأحكام القضاء ومن ثم فلا مانع من الاجتهاد في تفسير النصوص على خلاف ما قررته المذكرة الإيضاحية .
وما ذهب إليه في – ثانياً – مردود عليه : بأنه لو كان هناك تماثل في المراكز القانونية بين صاحب الشأن الذي طعن بالنقض على حكم نهائي صادر من محكمة استئنافية وصاحب الشأن الذي صدر له حكم نهائي من محكمة ابتدائية بهيئة استئنافية ، لكان قابلية الطعن بالنقض في الحالة الأولى ، وعدم تلك القابلية في الحالة الثانية يمثل – في حد ذاته – مخالفة دستورية للإخلال بمبدأ المساواة بصرف النظر عن أثر الحكم بعدم الدستورية على صاحب المركز القانوني في هذه الحالة أو تلك .
وما ذهب إليه في – ثالثاً – مردود عليه : بأن القول إن الاتجاه الجديد للقضاء يؤدي الى إطالة أمد وجود المراكز القانونية في وضع غير مستقر ، إن كان يصدق على إعمال أثر الحكم بعدم الدستورية على الحكم القضائي النهائي الحائز لقوة الأمر المقضي فهو يصدق أيضاً بالنسبة لكافة أسباب الطعن بالنقض على الأحكام النهائية ، ومن ثم لا يصلح هذا السبب لرفض الاتجاه الحديث للقضاء .
رأينا في الموضوع الحقيقة أن حل هذا الخلاف أبسط بكثير مما يتصور الفقه والقضاء ، ومن العجيب أن يجتهد الفقه والقضاء في هذا الخلاف بالبحث عن حلول قانونية خارج إطار النصوص ، مع أن المشرع ناطق بإرادة صريحة وحاضر بإرادة ضمنية .
أولاً :  بالنسبة للإرادة الصريحة
تنص المادة ( 49 / 3 ) على أنه : ويترتب على الحكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم ... 
وتنص المادة ( 49 / 4 ) على أنه : إذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقاً بنص جنائي ، تعتبر الأحكام التي صدرت بالإدانة استناداً الى ذلك النص كأن لم تكن .
ومن ثم نحاول البحث عن حكم القانون في تلك المشكلة من خلال هذين النصين ، وذلك عن طريق البحث – أولاً – في حكم القانون بالنسبة للطعون الجنائية المنظورة أمام محكمة النقض .
ذهبت محكمة النقض الى تطبيق قاعدة القانون الأصلح للمتهم ، إذا صدر حكم بعدم دستورية نص جنائي متعلق بواقعة التجريم في الطعون الجنائية المنظورة أمامها . وسوف نستعرض بعض الأمثلة على ذلك .
القضية الأولى :  وفيها قررت محكمة النقض " أنه لما كانت المحكمة الدستورية العليا ، قد قضت بتاريخ الأول من فبراير لسنة 1997 في الدعوى رقم 59 لسنة 18 قضائية " دستورية " بعدم دستورية ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 195 من قانون العقوبات وكذلك بسقوط الفقرة الثانية منها والتي كانت تتضمن معاقبة رئيس التحرير أو المحرر المسئول عن القسم الذي حصل فيه النشر ... لما كان ذلك فإن الفعل المسند الى الطاعن قد أضحى بمنأى عن التأثيم إذ أنه لم يكن فاعلاً أصلياً في الجريمة المدعى بارتكابها ، وإنما ادعى المطعون ضده ( المدعي بالحقوق المدنية ) مسئوليته الجنائية عنها باعتباره رئيساً لتحرير الجريدة ارتكاناً الى نص المادة 195 من قانون العقوبات ، وهو ما قضت المحكمة الدستورية بعدم دستوريته في الدعوى الدستورية سالفة البيان ، بما مفاده بطريق اللزوم أنه لا جريمة يمكن اسناد فعلها إليه بما يستوجب مسئوليته عنها ، لما كان ذلك وكان قضاء المحكمة الدستورية سالف الإشارة إليه واجب التطبيق على الطاعن باعتباره أصلح له ، ما دامت الدعوى الجنائية المرفوعة عليه لم يفصل فيها بحكم بات عملاً بنص الفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات ، ولما كانت الدعوى حسبما حصلها الحكم المطعون فيه لا يوجد فيها من دليل قبل الطاعن سوى مسئوليته المفترضة ، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه والقضاء بإلغاء الحكم المستأنف وبراءة الطاعن عملاً بالفقرة الأولى من المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 – لما كان ذلك ، وكان الفعل المسند الى الطاعن قد انحسر عنه التأثيم فإن لازم ذلك أن تكون المحكمة الجنائية غير مختصة بالفصل في الدعوى المدنية ، وهو ما تقضي به هذه المحكمة (1)
القضية الثانية :  وفيها قررت محكمة النقض " لما كانت الدعوى الجنائية قد أقيمت على الطاعن بوصف أنه عرض للبيع شيئاً من أغذية الإنسان ( لحوماً ) مغشوشاً مع علمه بذلك ، وكان نص الفقرة الثانية من البند الأول من المادة الثانية من القانون 48 لسنة 1941 بقمع الغش المنطبقة على واقعة الدعوى يفترض قرينة تحكمية هي واقعة علم المتهم بغش الأغذية التي يعرضها للبيع أو يبيعها إذا كان من المشتغلين بالتجارة ، ونقل عبء نفيها الى المتهم خروجا على الأصل العام من افتراض براءته الى أن تقيم النيابة العامة الدليل على إدانته في محاكمة علنية توفر له فيها الضمانات الضرورية لدفاعه وكان البين من مدونات الحكم المطعون فيه أنه أقام قضاءه على مجرد قيام القرينة التحكمية الواردة في النص القانوني سالف البيان لكون الطاعن من المشتغلين بالتجارة وكان قد صدر حكم المحكمة الدستورية العليا بتاريخ 20 من مايو سنة 1995 في القضية رقم 31 لستة 16 ق " دستورية " الذي قضى بعدم دستورية البند الأول من المادة الثانية من القانون رقم 48 لسنة 1941 المشار إليه . وكان قضاء المحكمة الدستورية سالف الذكر واجب التطبيق على وقائع الدعوى عملاً بنص المادة 49 من القانون 48 لسنة 1979 من اليوم التالي لنشر الحكم ، كما أن هذا القضاء الدستوري يعتبر في حكم القانون الأصلح للمتهم ما دامت الدعوى الجنائية لم يفصل فيها بحكم بات عملاً بنص الفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات ، وكان الحكم المطعون فيه على النحو المار ذكره قد أقام إدانته للطاعن على مجرد القرينة سالفة الإشارة ، دون أن يستظهر القصد الجنائي في حقه وأدلة الثبوت على ذلك . فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه والإعادة كيما تتاح محاكمته من جديد على هدي من قضاء المحكمة الدستورية سالف الذكر " (2) .
القضية الثالثة وفيها قررت محكمة النقض " أنه لما كانت الفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات تقضي بأنه " إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم فيه نهائياً قانون أصلح للمتهم فهو الذي يتبع دون غيره . وإذ كان قضاء المحكمة الدستورية بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة (155) من قانون الزراعة رقم 53 لسة 1966 قد أعاد للقاضي سلطة وقف تنفيذ العقوبة المنصوص عليها في المادة ( 155 ) من قانون الزراعة المذكور طبقاً للقواعد العامة المنصوص عليها في المادتين 55 و56 من قانون العقوبات ومن ثم فإنه يكون في حكم القانون الأصلح في تطبيق المادة الخامسة من قانون العقوبات إذ أنه ينشئ له وضعاً أصلح ، وذلك بأنه أصبح من حق القاضي أن يأمر بوقف تنفيذ العقوبة في الجريمة المسندة الى الطاعن . لما كان ذلك ، وكان لهذه المحكمة – محكمة النقض – طبقاً لنص الفقرة الثانية من المادة 35 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 أن تنقض الحكم لمصلحة المتهم من تلقاء نفسها ، إذا صدر بعد الحكم المطعون فيه قانون أصلح يسري على واقعة الدعوى ، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه ، ولما كان الأمر بوقف تنفيذ العقوبة هو كتقديرها من صميم عمل قاضي الموضوع  إذ أن وقف تنفيذ العقوبة من العناصر التي تلحظها المحكمة عند تقدير العقوبة ، وهوما يوجب إعادة النظر أمام محكمة الموضوع في العقوبة التي يحكم بها ، مما يتعين معه أن يكون مع النقض الإعادة ، وذلك دون حاجة لبحث أوجه الطعن المقدمة من الطاعن "
وقد أيد الفقه بصورة ضمنية قضاء محكمة النقض في تطبيق قاعدة القانون الأصلح للمتهم في حالة صدور حكم من المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية نص جنائي تم تطبيقه على وقائع النزاع المنظور أمام محكمة النقض . أى تطبيق المادة ( 5/2 ) عقوبات
كما قرر الفقه أنه بالنسبة للحكم بالتعويض الذي استند الى حكم الإدانة فإنه يزول بأثر رجعي ويستوي في ذلك أن تكون المحكمة الجنائية هي التي قضت بالتعويض أو أن تكون المحكمة المدنية هي التي قضت به استناداً الى الحكم الجنائي وذلك تطبيقاً للمادة ( 451 ) إجراءات جنائية التي تنص على أنه " يترتب على إلغاء الحكم المطعون فيه سقوط الحكم بالتعويضات ووجوب رد ما نفذ به منها "
رأي مخالف لقضاء محكمة النقض المدعوم برأي الفقه
نحن من جانبنا نرى أن محكمة النقض أخطأت في تطبيق قاعدة القانون الأصلح للمتهم في هذه الحالة ، لأن الحكم بعدم الدستورية وإن كان يشبه القانون من حيث المضمون إلا أنه ليس قانوناً بمعنى الكلمة ، وبالتالي فإن ما قامت به محكمة النقض هو نوع من أنواع القياس ، بقياس حالة الحكم بعدم دستورية نص جنائي على حالة القانون الأصلح للمتهم والقياس كوسيلة من وسائل تفسير النصوص القانونية لا يجوز اللجوء إليه إلا في حالة غموض النص أو غياب الإرادة الصريحة والضمنية للمشرع معاً ، حتى ولو كان هذا التفسير لصالح المتهم ونص المادة ( 49/4 ) من قانون المحكمة الدستورية واضح وصريح وكذلك نص المادة (  5 / 2 ) عقوبات ، ومن ثم فلا محل على الإطلاق لقياس حكم هذا على حكم ذاك أو العكس ، فالمشرع حاضر بإرادة صريحة في المادة ( 49/4 ) من قانون المحكمة الدستورية ، وهذه الإرادة تخالف إرادته الصريحة في حالة تطبيق قاعدة القانون الأصلح للمتهم . ( 5 /2 ) عقوبات . 
فالتطبيق الصحيح لقاعدة القانون الأصلح للمتهم على الطعون الجنائية المنظورة أمام محكمة النقض هو أن تنقض المحكمة الحكم لمصلحة المتهم من تلقاء نفسها إذا صدر بعد الحكم المطعون فيه قانون أصلح يسري على واقعة الدعوى طبقاً لنص الفقرة الثانية من المادة 35 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 .
وهذا يعني أنه إذا قـُضى– بعد نقض الحكم – ببراءة المتهم ، فسوف يقضى في الدعوى المدنية التبعية المرفوعة على المتهم برفضها ، ويترتب على ذلك أيضاً رفض أية دعوى مدنية أخرى ناشئة عن الجريمة مرفوعة على المتهم  أمام القضاء المدني ، لأن المشرع حين استعمل في المادة (35/2 ) من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض صياغة " نقض الحكم " أطلق لفظ " الحكم " على عمومه ولم يخصصه بأنه" حكم الإدانة" ، وبالتالي فإن الحكم ينقض بجميع آثاره ، أي ينقض في الشق الجنائي والمدني معاً ، أما المادة ( 49 /4 ) من قانون المحكمة الدستورية العليا المتعلقة بإعمال أثر الحكم بعدم دستورية نص جنائي ، فهي خطاب تشريعي موجه إلى قاضي النقض الجنائي – وحده دون غيره – من القضاة ، يلزمه بألا يتصل بموضوع خصومة النقض ، وأن يقضي باعتبار خصومة النقض منتهية لأنها أصبحت واردة على غير محل ( والمحل هنا هو حكم الإدانة ) ، أي الشق الجنائي فقط من الحكم ، وسواء كان سبب زوال هذا المحل متعلقاً بالركن المادي أم بالركن المعنوي للجريمة ،  ومن ثم فإن أي حكم نهائي صادر في الدعوى المدنية التبعية أو أية دعوى مدنية أخرى ناشئة عن الجريمة يظل منتجاً لآثاره.
ولا ينال من صحة ما تقدم – بل على العكس يدعمه ويؤكده – القول بأن قاضي الجنح المستأنفة هو أيضاً من بين المخاطبين بالمادة ( 49/4 ) ، لأن لفظة " الأحكام " الواردة بها جاء عاماً مطلقاً ، فيشمل أيضاً إلى جانب الأحكام النهائية أحكام محكمة أول درجة ، فمن المسلم أن محل خصومة النقض هو الحكم النهائي أما خصومة الجنح المستأنفة فمحلها هو موضوع قضية أول درجة ، أي أن قاضي الجنح المستأنفة مخاطب بالمادة ( 49/3 )، أما قاضي النقض الجنائي – فهو وحده – المخاطب بالمادة (49/4). 
-----------------------------------------------------------------------------------------------
يلاحظ أن محكمة النقض جانبها الصواب في أحكامها الثلاثة المشار إليها آنفاً:
ففي القضية الأولى أخطأت المحكمة حتى في تطبيق قاعدة القانون الأصلح للمتهم حين قضت بنقض الحكم المطعون فيه والقضاء بإلغاء الحكم المستأنف وببراءة الطاعن عملاً بالفقرة الأولى من المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 ، والتطبيق الصحيح لقاعدة القانون الأصلح للمتهم – على فرض صحة تطبيقها في هذا الطعن – هو القضاء بالإعادة إلى محكمة الموضوع ، لا أن تقضي محكمة النقض ببراءة الطاعن لأن حكم المادة ( 39/1 ) من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض بعد ربطه بحكم المادة ( 30/1 ) من نفس القانون لا يؤدي إلى أن تقضي المحكمة – محكمة النقض – في الموضوع ( ببراءة المتهم ) ، لأن الحكم المطعون فيه ليس مبنياً على مخالفة القانون أو على خطأ في تطبيقه أو في تأويله، ومن المقرر أنه لا اجتهاد مع صريح النص .
أما التطبيق الصحيح – عندنا – لنص المادة ( 49/4 ) من قانون المحكمة الدستورية في مثل هذه القضية ، هو أن تحكم المحكمة باعتبار خصومة النقض منتهية لأنها أصبحت واردة على غير محل ( والمحل هنا هو سند التجريم المتعلق بالركن المادي للجريمة ) ومن ثم يظل أي حكم نهائي صادر في الدعوى المدنية التبعية منتجاً لآثاره .
وفي القضية الثانية : طبقت محكمة النقض قاعدة القانون الأصلح للمتهم  ، فقضت بنقض الحكم والإعادة إلى محكمة الموضوع لتبحث من جديد في ثبوت القصد الجنائي من عدمه لدى المتهم ( الركن المعنوي للجريمة ) ، أما التطبيق الصحيح للقانون في مثل هذه القضية – عندنا – هو أن تحكم المحكمة باعتبار خصومة النقض منتهية ، لأنها أصبحت واردة على غير محل ( والمحل هنا هو سند التجريم المتعلق بالركن المعنوي للجريمة ) ، ومن ثم يظل أي حكم نهائي صادر في الدعوى المدنية التبعية منتجاً لآثاره .
وفي القضية الثالثة : طبقت محكمة النقض قاعدة القانون الأصلح للمتهم  فقضت بنقض الحكم والإعادة إلى محكمة الموضوع لتبحث في وقف تنفيذ العقوبة من عدمه ، والصحيح  – عندنا – هو ألا تنقض محكمة النقض الحكم لصدور حكم الدستورية العليا بعدم دستورية النص الذي يمنع القاضي من سلطة وقف تنفيذ العقوبة ، لأن هذا الحكم وإن كان في مضمونه تشريعاً إلا أنه ليس تشريعاً بمعنى الكلمة ، ومن ثم فهو ليس القانون الذي تقصده المادة الخامسة عقوبات ، كما أننا نرى أنه ينبغي على محكمة النقض – في مثل هذه القضية – ألا تطبق حكم المادة ( 49/4 ) من قانون المحكمة الدستورية العليا ، وذلك لعدم زوال سند التجريم لا في ركنه المادي ولا في ركنه المعنوي.
حكم القانون بالنسبة للطعون المدنية المنظورة أمام محكمة النقض
يتضح مما تقدم أن قاضي النقض الجنائي ليس من بين المخاطبين بالمادة ( 49 / 3 ) ، والقول بعكس ذلك يعني أن ثمة تناقضاً بين إرادة المشرع في المادة (49/3 ) وإرادته في المادة (49/4) ، الأمر الذي ينبغي تنزيه المشرع عن قصد التردي فيه .
وإذا كان قاضي النقض الجنائي ليس من بين المخاطبين بالمادة (49/3) ، فمن البدهي أن قاضي  النقض المدني هو أيضاً ليس من بين المخاطبين بالمادة ( 49/3 ) ، سواء كانت الطعون المنظورة أمامه متعلقة بحقوق مدنية ناشئة عن جريمة أم حقوق مدنية غير ناشئة عن جريمة ، والقول بغير ذلك ، إنما يعني أن المشرع يقيم تمييزاً غير مبرر بين فئتين تماثلت مراكزهما القانونية بالنسبة للحقوق المدنية .
كما أن القول بأن قاضي النقض المدني هو من بين المخاطبين بالمادة ( 49/3 ) يؤدي إلى تمييز غير مبرر بين اثنين من ذوي الحقوق المدنية الناشئة عن جريمة واحدة ، سلك أحدهما الطريق المدني بينما آثر الآخر الطريق الجنائي ، والتمييز الأول و الثاني – أحدهما أو كلاهما – يوقع القاعدة التشريعية التي تقيم هذا التمييز في حومة المخالفة الدستورية لمبدأ المساواة .
وفضلاً عما تقدم ، فإن المادة ( 49/3 ) من قانون المحكمة الدستورية تنص على: "ويترتب على الحكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة عدم جواز تطبيقه ..."
وتطبيق النص – لغة أو اصطلاحاً – إنما يعني إحداث التطابق بين عناصر المركز القانوني وعناصر المركز الواقعي ، ولا يتصور أن يقع ذلك إلا من خلال قضاء الإلزام الموضوعي ، وقضاء محكمة النقض سواء برفض النقض أو بنقض الحكم المطعون عليه ، لا يتصور إلا أن يكون قضاءً تقريرياً أو قضاءً منشئاً .
وإذا استعرضنا بالفعل العديد من أحكام المحكمة الدستورية لوجدنا أن جميع هذه الأحكام تفرعت الدعوى الدستورية فيها من دعوى إلزام موضوعية ، باستثناء بعض الحالات النادرة التي كانت فيها الدعوى الموضوعية هي دعوى مستعجلة ، ونحن نري عدم جواز إثارة الدفع الدستوري أمام القضاء المستعجل.
فهل يجوز إثارة الدفع الدستوري أمام محكمة النقض ؟
تضاربت أحكام محكمة النقض بالنسبة لمسألة جواز إثارة الدفع الدستوري أمامها . 
فذهبت محكمة النقض – كما رأينا في الأحكام المشار إليها آنفاً – إلى جواز إثارة الدفع الدستوري أمامها من الخصوم وسواء أكان الخصم قد سبق له التمسك بالدفع الدستوري أمام محكمة الموضوع أم لم يسبق له ذلك ، وللمحكمة أيضاً أن تعرض للمسألة الدستورية من تلقاء نفسها . 
بينما ذهبت محكمة النقض في أحكام أخرى لها إلى "أن الدفع بعدم دستورية القوانين غير متعلق بالنظام العام ومن ثم لا يجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض ، ولا يجوز للمحكمة أن تعرض للمسألة الدستورية من تلقاء نفسها".(1)
أما قضاء المحكمة الدستورية العليا فقد اطرد على جواز إثارة الدفع الدستوري أمام محكمة النقض ، فقررت المحكمة الدستورية " أنه لا يجوز لأية محكمة أو هيئة اختصها الدستور أو المشرع بالفصل في خصومة قضائية – وأياً كان موقعها من الجهة أو الهيئة القضائية التي تنتمي إليها – أن تقف من النصوص القانونية التي يبدو لها – من وجهة نظر مبدئية – تعارضها مع الدستور موقفاً سلبياً ، بل عليها إما أن تحيل ما ترتئيه منها مخالفاً للدستور الى المحكمة الدستورية العليا التي اختصها الدستور دون غيرها بالفصل في المسائل الدستورية ، لا استثناء من هذه القاعدة ، بل يكون سريانها لازما في شأن المحاكم جميعها بما فيها محكمة النقض ، ذلك أن مراقبتها صحة تطبيق القانون على وقائع النزاع التي استخلصتها محكمة الموضوع ، يقتضيها أن تنزل عليها صحيح حكم القانون ، ويفترض ذلك ابتداءً اتفاق القاعدة القانونية الواجبة التطبيق مع الدستور مما يقتضي عرضها على المحكمة الدستورية العليا – عند الطعن على صحتها – باعتبار أن الفصل في هذه الصعوبة من مسائل القانون التي لا يخالطها واقع وهو ما جرى عليه قضاء محكمة النقض ذاتها". 
المصدر / مركز معلومات المديرية  
تاريخ النشر /23/9/2016

 
عودة الى الصفحة الرئيسية
الصفحة الرئيسية | عن الموقع | اتصل بنا | اتصل بمدير الموقع

© جميع الحقوق محفوظة لوزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري