الرئيسية > كيانات المحافظة > مديريات > التنظيم والإدارة > البحوث
البحوث
جـرائـم الفـسـاد فـي القطـاعين العـام والخـاص 
 

مـقـدمـة

إن الفساد مصطلح راج استعماله في عديد العلوم العانية بالسلوك البشري في أبعاده الفردية والجماعية العقلية منها والانفعالية .

ومثال ذلك علوم النفس والاجتماع والاقتصاد والسياسة وكذلك العلوم الدينية.

على أن مصطلح " الفساد " اقتحم أخيرا المجال القانوني لتتداول مفرداته ومترادفاته ومصطلحاته في النصوص القانونية الوطنية الجزائية منها والمدنية وكذلك في الاتفاقيات الدولية والإقليمية.

وهذا يقودنا إلى استنتاج منطقي هو أن التعاطي مع الفساد كسلوك فردي أو ظاهرة اجتماعية يستدعي بالضرورة تدخل أكثر من علم وأكثر من اختصاص باعتبار أن الأمر يتعلق بدراسة التركيبة الذهنية والنفسية للكائن البشري التي قد تدفعه تحت تأثير مطامعه أو مطامحه إلى إتيان أفعال تتعارض مع مقتضيات الصالح العام والمصلحة الوطنية وتتنافر مع القيم الأخلاقية والدينية.

وعلى هذا الأساس فإن أي برنامج يهدف إلى محاصرة ظاهرة الفساد ومقاومتها بهدف القضاء عليها أو الحد منها يستدعي بالضرورة تناول هذه الظاهرة من زوايا جميع العلوم التي تساعد على فهمها وتحليلها وتفكيكها قبل مواجهتها وإعلان الحرب عليها.

ذلك أن تدخل القانون لمعالجة أوضاع الفساد ومظاهره لا يكفي لضمان زوال الظاهرة أو انحصارها أو انتفائها باعتبار أن التاريخ قد أثبت لنا بأن الردع القانوني لا يمكنه وحده إلغاء الظاهرة الإجرامية أو التقليص منها لارتباط ذلك بأبعاد سيكولوجية وسوسيولوجية وأخلاقية لا يمتلك القانون ناصيتها.

ولا يفوتنا أن نشير إلى أن ارتباط الإنسان بالفساد هو ارتباط تاريخي ويكاد يكون بيولوجيا .

فقد سجّل لنا النص الديني ومثاله النص القرآني هذه العلاقة منذ بداية الخلق بل ومنذ أن كان الإنسان مجرّد مشروع لم يتجسد بعد في شكل ماديّ .

إذ ورد في سورة البقرة ما يلي " وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لك. قال إني أعلم ما لا تعلمون " .( سورة البقرة الآية 30 ).

إن هذه الآية تكشف لنا أمرين أساسيين :

- أن الفساد يتعارض مع منطق الاستخلاف ومقتضياته وهو أمر اهتدت إليه الملائكة .

- أن تركيبة الإنسان النفسية والذهنية تهيؤه إلى ارتكاب أعمال فساد . وأن مقاومة هذه الأعمال يتم من خلال نشر وعي الاستخلاف وثقافته.

ومهما تكن خلفية موقف الملائكة من الإنسان الخليفة قبل خلقه فإن ذلك يكشف لنا حقيقة تاريخية وهي أن الإنسان دائم التمرّد على قيم الضبط السلوكي . كما أن التطور العلمي والتكنولوجي أكسبه جرأة مبالغ فيها أحيانا على ملامسة الممنوع والمحظور باستعمال كل ما هو متاح من الوسائل والإمكانيات .

وأمام تطور مظاهر الفساد في المجتمعات المعاصرة وانتقاله من الوضع البسيط إلى الوضع المركب والمنظم , اتجه جهد المجتمع الدولي إلى سنّ اتفاقيات وبروتوكولات تردع الفساد وتحاصره كما هو الشأن بالنسبة لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2004 وكذا فعلت بعض الكيانات الإقليمية ومثالها مجموعة الاتحاد الأوروبي واتحاد دول جنوب أمريكا ومجموعة دول إفريقيا.

كما نشطت حكومات الربيع العربي بعد أن استقر لها الأمر في اتجاه الإسراع بسنّ النصوص القانونية والترتيبية واتخاذ الإجراءات الإدارية لمكافحة مختلف مظاهر الفساد التي تورطت فيها النظم السياسية السابقة بعد أن كان فسادها من عوامل الثورة عليها .

ولمقاربة هذا الموضوع في المستويين الوطني والدولي وجب الحديث عن مجالات الفساد ومظاهره من منظور القانون الجزائي في مبحث أول لنخلص بعد ذلك إلى الحديث عن معالجة مظاهر الفساد.

 

المبحث الأول : مجالات الفساد ومظاهره من منظور القانون الجزائي

 

إن ما دفع الدول والمنظمات الدولية والكيانات الإقليمية إلى معالجة ظاهرة الفساد هو انتشارها بشكل ملفت لم يعد من الحكمة السكوت عليه . وقد طال ذلك مختلف المؤسسات الوطنية وحتى الدولية في القطاعين العام والخاص. بل تسرّب الفساد إلى المنظمات الدولية والإقليمية الناشطة في مختلف المجالات العسكرية منها والمدنية.

كما كشفت بعض الثورات وخاصة العربية منها فضائح السلط السياسية والنظم الحاكمة في مجالات الفساد بالرغم من وجود تشريعات جزائية رادعة لها سعت هذه النظم إبّان حكمها في سنّها والتفنّن في أحكامها .

 

تعريف الفساد :

لم تعرّف اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد مصطلح الفساد واكتفت بتعداد مجالاته ومظاهره وطرق مكافحته .

ويفهم من ذلك أن جرائم الفساد هي جرائم متعددة تأخذ أشكالا ومظاهر مختلفة وينشط الفاعلون فيها في القطاعين العام والخاص.

الفرع الأول : جرائم الفساد في القطاع العام

يتميز مجتمع الدولة المعاصرة بتنظيمه الإداري المحكم بشكل تتوزع الاختصاصات بين ما هو مركزي وما هو جهوي أو محلي. وتقوم الإدارة بتسيير المرافق العامة وتنشيطها وفق سياسات تخدم التوجهات العامة للدولة .

غير أنّ هذه الأدوار الرسمية للإدارة وللناشطين فيها لا تمنع الأخيرين من التورط في ممارسات فساد بسعي منهم أو من المتعاملين معها وكان هذا سببا لتدخل القانون الجزائي لردع هذه السلوكات المخلّة نظرا لخطورتها على سير المرافق العامة.

وتأخذ هذه الجرائم أشكالا مختلفة لعلّ أخطرها :

-          جرائم الرشوة

-          الاختلاس والاستيلاء على المال العام

-          استغلال النفوذ

-          الإثراء بدون موجب ... 

-          الفقرة الأولى : جرائم الرشوة

-          تتكون الرشوة من جريمتين مستقلتين :

-          - جريمة الإرشاء : وهي ذلك الفعل الصادر من المتعامل مع الإدارة من أجل الحصول على خدمة في وقت قياسي أو بمقتضى إجراءات مختصرة أو مخالفة للمقتضيات المشروطة أحيانا أو من أجل حرمان الغير من خدمة مشروعة ويدفع للموظف القائم على الخدمة أو لغيره مقابلا على ذلك أو يعد به .

-          - جريمة الارتشاء : وهي سعي الموظف العمومي وبفعل إيجابي منه في الحصول على منافع له أو لغيره مقابل القيام بعمل أو الامتناع عنه , أو قبول منافع أو عروض مقابل تقديم الخدمة التي هي من صلاحياته.

تعتمد كل دولة طرف ما قد يلزم من تدابير أخرى لتجريم الأفعال التالية, عندما ترتكب عمدا :

(أ) وعد موظف عمومي بمزية غير مستحقة أو عرضها عليه أو منحه إياها, بشكل مباشر أو غير مباشر, سواء لصالح الموظف نفسه أو لصالح شخص أو كيان آخر, لكي يقوم ذلك الموظف بفعل ما أو يمتنع عن القيام بفعل ما لدى أداء واجباته الرسمية؛

     (ب) التماس موظف عمومي أو قبوله, بشكل مباشر أو غير مباشر, مزية غير مستحقة, سواء لصالح الموظف نفسه أو لصالح شخص أو كيان آخر, لكي يقوم ذلك الموظف بفعل ما أو يمتنع عن القيام بفعل ما لدى أداء واجباته الرسمية. "

2-      تنظر كل دولة طرف في اعتماد ما قد يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم قيام موظف عمومي أجنبي أو موظف في مؤسسة دولية عمومية عمدا, بشكل مباشر أو غير مباشر, بالتماس أو قبول مزية غير مستحقة, سواء لصالح الموظف نفسه أو لصالح شخص أو كيان آخر, لكي يقوم ذلك الموظف بفعل ما أو يمتنع عن القيام بفعل ما لدى أداء واجباته الرسمية."

ونفهم من هذين النصين أن ظاهرة الفساد قد تسربت أيضا داخل أجهزة المنظمات الدولية العمومية كما تورط فيها موظفون تابعون لإدارات أجنبية.

الفقرة الثانية : جريمة استغلال النفوذ

 هي شكل من أشكال التعمش من الرشوة. ففي هذه الصورة لم يتلق الفاعل مقابلا عن القيام بفعل من علائق وظيفته أو الامتناع عنه وإنما هو يستغل علاقته بأصحاب القرار حقيقية كانت أو وهمية من أجل الإيقاع بضحاياه من طالبي الخدمة ويحصل على نفع مقابل ذلك.

أما اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد فقد توسّعت في هذا الشأن بان جرّمت في نفس الوقت الأفعال الصادرة عن مدّعي النفوذ وعن الساعين إلى الانتفاع من نفوذه.

 فقد ورد بالمادة 18 ما يلي : " ينظر كل طرف في اعتماد ما قد يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم الأفعال التالية, عندما ترتكب عمدا :

(أ) وعد موظف عمومي أو أي شخص آخر بأي مزية غير مستحقة أو عرضها عليه أو منحه إياها, بشكل مباشر أو غير مباشر, لتحريض ذلك الموظف العمومي أو الشخص على استغلال نفوذه الفعلي أو المفترض بهدف الحصول من إدارة أو سلطة عمومية تابعة للدولة الطرف على مزية غير مستحقة لصالح المحرّض الأصلي على ذلك الفعل أو لصالح أي شخص آخر؛

(ب) قيام موظف عمومي أو أي شخص آخر, بشكل مباشر أو غير مباشر, بالتماس أو قبول أي مزية غير مستحقة لصالحه هو أو لصالح شخص آخر, لكي يستغل ذلك الموظف العمومي أو الشخص نفوذه الفعلي أو المفترض بهدف الحصول من إدارة أو سلطة عمومية تابعة للدولة الطرف على مزية غير مستحقة."

الفقرة الثالثة : تجـاوز السـلـطـة

والمقصود بذلك أن يمنح الموظف العمومي لطالب الخدمة امتيازات لا حق له فيها بموجب القانون ومخالفة لقواعد المنافسة من أجل الفوز بالصفقات العمومية.

ورد بالمادة 19 من اتفاقية الأمم المتحدة ما يلي : تنظر كل دولة طرف في اعتماد ما قد يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لكي تجرّم تعمد موظف عمومي إساءة استغلال وظائفه أو موقعه, أي قيامه أو عدم قيامه بفعل ما, لدى الاضطلاع بوظائفه, بغرض الحصول على مزية غير مستحقة لصالحه هو أو لصالح شخص أو كيان آخر, مما يشكل انتهاكا للقوانين.

 

 

الفقرة الرابعة : الإثراء غير المشروع

اعتبر المرسوم الإطاري عدد 120 المشار إليه أعلاه الإثراء غير المشروع من جرائم الفساد, وهو أمر أقرّته اتفاقية الأمم المتحدة صلب أحكام المادة 20 التي ورد فيها " تنظر كل دولة طرف, رهنا بدستورها والمبادئ الأساسية لنظامها القانوني, في اعتماد ما قد يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم تعمّد موظف عمومي إثراءً غير مشروع, أي زيادة موجوداته زيادة كبيرة لا يستطيع تعليلها بصورة معقولة قياسيا إلى دخله المشروع."

الفقرة الخامسة : الاختلاس والاستيلاء على أموال عمومية

إن الموظف العمومي هو مستأمن على ما بين يديه من المال العام فلا يصرفه إلاّ فيما هو مخصّص له ولا يعمل فيه يده بما يحقق له منفعة شخصية. لذلك جاءت النصوص الجزائية صارمة في هذا الصدد وذلك من أجل تحصين المال العام وحمايته من أطماع القائمين عليه.

اتفاقية الأمم المتحدة قد خصصت لهذه الجريمة أحكاما خاصة صلب المادة 17 التي ورد فيها : " تعتمد كل دولة طرف  ما قد يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم قيام موظف عمومي عمدا, لصالحه هو أو لصالح شخص أو كيان آخر’ باختلاس أو تبديد أي ممتلكات أو أموال أو أوراق مالية عمومية أو خصوصية أو أي أشياء أخرى ذات قيمة عهد بها إليه بحكم موقعه, أو تسريبها بشكل أخر."

 

الفرع الثاني : جرائم الفساد في القطاع الخاص  

لقد سبق أن أشرنا إلى أن الفساد هو انحراف سلوكي أخلاقي يضرب القطاع العام ويطال كذلك مؤسسات القطاع الخاص ويزداد الأمر سوءا في الدول القائمة على اقتصاديات السوق التي ينشط اقتصادها ضمن قوانين المنافسة الحرّة وحرية الأسعار.

وقد ركزت اتفاقية الأمم المتحدة على ثلاث مظاهر أساسية للفساد في القطاع الخاص وهي الرشوة والاختلاس وغسل العائدات الإجرامية.

الفقرة الأولى : الرشوة في القطاع الخاص

نصّت المادة 21 من اتفاقية الأمم المتحدة لمقاومة الفساد على ما يلي : " تنظر كل دولة طرف في اعتماد ما قد يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم الأفعال التالية, عندما ترتكب عمدا أثناء مزاولة أنشطة اقتصادية أو مالية أو تجارية :

(أ) وعد أي شخص يدير كيانا تابعا للقطاع الخاص, أو يعمل لديه بأي صفة, بمزية غير مستحقة أو عرضها عليه أو منحه إياها, بشكل مباشر أو غير مباشر, سواء لصالح الشخص نفسه أو لصالح شخص آخر, لكي يقوم ذلك الشخص بفعل ما أو يمتنع عن القيام بفعل ما, مما يشكل إخلالا بواجباته؛

(ب) التماس أي شخص يدير كيانا تابعا للقطاع الخاص, أو يعمل لديه بأي صفة’ أو قبوله, بشكل مباشر أو غير مباشر, مزية غير مستحقة, سواء لصالح الشخص نفسه أو لصالح شخص آخر, لكي يقوم ذلك الشخص بفعل ما, مما يشكل إخلالا بواجباته."

أما المرسوم الإطاري عدد 120 فقد أشار في مادته الثانية إلى الرشوة في القطاعين العام والخاص دون إحالة صريحة على النصوص المنطبقة عليها .

 

 

الفقرة الثانية : اختلاس الممتلكات في القطاع الخاص

ورد صلب المادة 22 من اتفاقية الأمم المتحدة : " تنظر كل دولة طرف في اعتماد ما قد يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم تعمد شخص يدير كيانا تابعا للقطاع الخاص, أو يعمل فيه بأي صفة, أثناء مزاولة نشاط اقتصادي أو مالي أو تجاري, اختلاس أي ممتلكات أو أموال أو أوراق مالية خصوصية أو أي أشياء أخرى ذات قيمة عهد بها إليه بحكم موقعه."

الفقرة الثالثة : خيانة الأمانة

الفقرة الرابعة : غسل الأموال 

يقصد بغسل الأموال إخفاء عائدات الفساد باعتماد طريقة توظيف لها يخفي شبهة مصدرها ويكسبها مظهر الأموال المشروعة.

 

المبحث الثاني : مقاومة الفساد

إن الفساد ظاهرة تاريخية كما سبق أن أسلفنا وهو من الأمراض الاجتماعية التي طالت جميع القطاعات العامة منها والخاصة وتضررت منه جميع الفئات والأوساط عدى تلك التي استفادت منه بشكل مباشر أو غير مباشر.

فقد ساهم الفساد في تبديد الثروات الوطنية وتعطيل حركة التنمية وإفساد قواعد المنافسة الشريفة والإضرار بحقوق الإنسان في ما له علاقة بالخدمات وغيرها.

بل إن الفساد تطور في العهود الأخيرة ليلتحق بصنف الجرائم المنظمة العابرة للحدود الوطنية.

لذلك نشطت الاتفاقيات الدولية من أجل محاصرة هذه الظاهرة وإقناع الدول من أجل سنّ قوانين وطنية ناجعة لمواجهتها ثم توحيد الجهود الدولية لمحاصرتها.

وتتخذ مقاومة الفساد مظاهر مختلفة بعضها وقائيّ وبعضها الآخر ردعيّ.

الفرع الأول : الوقاية من الفساد

إن الوقاية من الفساد تستدعي التدخل في مستوى الأسباب والمناخات المؤدية إلى رواجه وانتشاره ومقاومتها في أبعاد أفقية وعمودية تطال قطاع الوظيفة العمومية وكذلك القطاع الخاص .

* الفقرة الأولى : قطاع الوظيفة العمومية : شهد هذا القطاع توظيفا غير مسبوق في مجالات الفساد بسعي من المنتمين إليه أو المتعاملين معه .

لذلك فإن الأمر يستدعي اتخاذ جملة من الإصلاحات تهدف إلى تحصين الإدارة ضدّ الاختراق من داخلها أو من خارجها ويتم ذلك بتوخي جملة من السياسات الناجعة والتي يمكن تعداد أهمها كما يلي :

أولا : الإصلاح الإداري : يتعين على الدول المعنية بمكافحة الفساد أن تعيد النظر في نظمها الإدارية وسياساتها المعتمدة في ذلك من أجل سدّ المنافذ أمام إمكانية التجاوزات ذات الصلة بالفساد.

ذلك أنّ تورط الإدارة العامة في ممارسات فاسدة عن طريق القائمين عليها والناشطين فيها يدلّ على هشاشة هذا النظام الإداري في مستوى الانتداب والترقية والتعيين بالخطط المتقدمة .

ثانيا: وضع خطة استراتيجية لمقاومة الفساد  

إن مقاومة الفساد تحتاج إلى رؤية استراتيجية وإلى خطة ذات معالم واضحة تأخذ بعين الاعتبار مقتضيات التأثير على السلوك البشري وتوجيهه نحو تمثل قيم التعفّف والانضباط السلوكي والأخلاقي .

على أن تراعي هذه السياسة ضرورة تشريك كل الفصائل الناشطة في المجتمع .

ومن مقتضيات هذه الاستراتيجية أيضا تعهد النصوص القانونية والترتيبية بالتعديل وإعادة تركيب أحكامها بالقدر الذي يسمح باستيعاب المهمة الجديدة وتأطيرها وخدمتها.

ورد بالمادة الخامسة من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ما يلي : "

1- تقوم كل دولة طرف, وفقا للمبادئ الأساسية لنظامها القانوني, بوضع وتنفيذ أو ترسيخ سياسات فعالة منسقة لمكافحة الفساد, تعزز مشاركة المجتمع وتجسد مبادئ سيادة القانون وحسن إدارة الشؤون والممتلكات العمومية والنزاهة والشفافية والمساءلة.

2- تسعى كل دولة طرف إلى إرساء وترويج ممارسات فعالة تستهدف منع الفساد.

3- تسعى كل دولة طرف إلى إجراء تقييم دوري للصكوك القانونية والتدابير الإدارية ذات الصلة, بغية تقرير مدى كفايتها لمنع الفساد ومكافحته.

4- تتعاون الدول الأطراف فيما بينها ومع المنظمات الدولية والإقليمية ذات الصلة, حسب الاقتضاء ووفقا للمبادئ الأساسية لنظامها القانوني, على تعزيز وتطوير التدابير المشار إليها في هذه المادة. ويجوز أن يشمل ذلك التعاون المشاركة في البرامج والمشاريع الدولية الرامية إلى منع الفساد."

ثالثا : إحداث هيئات متخصصة لمكافحة الفساد

لقد تناولت جلّ التشريعات جرائم الفساد بالردع والملاحقة على الوجه الذي ذكر في المبحث الأول .إلاّ أن إسناد هذه المهمة إلى الأجهزة العادية القضائية منها والإدارية قد يهمّش الاهتمام بها والتركيز عليها لكثرة الملفات المعروضة على الجهات المعنية بالنظر. 

لذلك اتجه التفكير في إنشاء كيانات وهيئات متخصصة يراعى في انتداب أعضائها ما يلي :

·         التفرّغ لدراسة ملفات الفساد والبحث فيها مع الاستقلالية التامة إداريا وماليا

·         اختصاص المنتمين إلى هذه الهيئات في مختلف التخصصات المساعدة على كشف الفساد. ذلك أن هذه الملفات تحتاج إلى أكثر من خبرة وأزيد من اختصاص في المجالات القانونية والمحاسبية والجبائية والمالية ... .

لذلك دعت اتفاقية الأمم المتحدة لمقاومة الفساد الدول الأطراف إلى إحداث هذه الهيئات المتخصصة إذ ورد بالمادة 6 ما يلي :

1- تكفل كل دولة طرف, وفقا للمبادئ الأساسية لنظامها القانوني, وجود هيئة أو هيئات, حسب الاقتضاء, تتولى منع الفساد, بوسائل مثل :

( أ ) تنفيذ السياسات المشار إليها في المادة 5 من هذه الاتفاقية, والإشراف على تنفيذ تلك السياسات وتنسيقها, عند الإقتضاء ؛

( ب ) زيادة المعارف المتعلقة بمنع  الفساد وتعميمها.

2- تقوم كل دولة طرف, وفقا للمبادئ الأساسية لنظامها القانوني, بمنح الهيئة أو الهيئات المشار إليها في الفقرة 1 من هذه المادة ما يلزم من الاستقلالية, لتمكين تلك الهيئة أو الهيئات من الاضطلاع بوظائفها بصورة فعالة وبمنأى عن أيّ تأثير لا مسوّغ له. وينبغي توفير ما يلزم من موارد مادية وموظفين متخصصين, وكذلك ما قد يحتاج إليه هؤلاء الموظفون من تدريب للاضطلاع بوظائفهم.

3- تقوم كل دولة طرف بإبلاغ الأمين العام للأمم المتحدة باسم وعنوان السلطة أو السلطات التي يمكن أن تساعد الدول الأطراف الأخرى على وضع تنفيذ تدابير محددة لمنع الفساد.

خامسا: دعم استقلالية القضاء 

إن القضاء هو أحد الأذرع التي تستعملها الدولة في مكافحة الفساد باعتبار أنه الجهاز الرسمي المؤهل قانونا لتتبع جرائم الفساد وردعها .

وحتى يكون هذا الجهاز مستعدا للمشاركة في مواجهة ظاهرة الفساد, فإنه من البديهي أن يكون في منأى عن هذه الظاهرة وغير متورط فيها .

لذلك خصّصت اتفاقية المم المتحدة المذكورة آنفا عنوانا خاصا بالجهاز القضائي حيث ورد في المادة 11 ما يلي :"

1- نظرا لأهمية استقلالية القضاء وما له من دور حاسم في مكافحة الفساد, تتخذ كل دولة طرف, وفقا للمبادئ الأساسية لنظامها القانوني ودون مساس باستقلالية القضاء, تدابير لتدعيم النزاهة ودرء فرص الفساد بين أعضاء الجهاز القضائي .

2- يجوز استحداث وتطبيق تدابير ذات مفعول مماثل للتدابير المتخذة عملا بالفقرة 1 من هذه المادة داخل جهاز النيابة العامة في الدول الأطراف التي لا يشكل فيها ذلك الجهاز جزءا من الجهاز القضائي, ولكي يتمتع باستقلالية مماثلة لاستقلاليته."

 

 

مصدر النشر: مركز المعلومات- التنظيم و الإدارة

تاريخ النشر: 20/3/2019

 

 
عودة الى الصفحة الرئيسية
الصفحة الرئيسية | عن الموقع | اتصل بنا | اتصل بمدير الموقع

© جميع الحقوق محفوظة لوزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري